الشيخ محمد رشيد رضا

547

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذا المعنى ، وكم لفتتهم تلك الروايات عما هو أوضح منها ، فتأولوا وتكلفوا لتصحيح حمل الكلام عليها ؟ وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه الشيطان يزين لكل أحد من الناس ما هو مستعد له وقريب من أخلاقه وآرائه التي تربى عليها ، ومناسب لحاله وشعوره الذي يكون غالبا عليه ، فإذا أراد الصلاة في الليل وهو في حال نعاس أو فتور زين له النوم وترك الصلاة إلى وقت اليقظة والنشاط لأجل اقامتها كما يرضى اللّه تعالى ! ! فإذا خالفه وشرع في الصلاة زين له بوسوسته العجلة والاختصار ، وقراءة السور القصار ، أو قراءة السورة من متوسط المفصل في ركعتين أو أكثر ، وإذا وجد منه جدا ونشاطا فيها فقد يزين له المبالغة في التطويل ليسرع اليه الملل ، و « أحب الاعمال إلى اللّه أدومها وإن قل » كما رواه الشيخان في صحيحهما من حديث عائشة . وإذا كانت تربيته الدينية منفرة من الكبائر ، أغراه بمقدماتها ووسائلها من الصغائر ، وربما أفتاه بقوله تعالى ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً ) وليس المراد بهذا أن يحتقر الانسان الصغائر ويتعمدها ويواظب عليها كالمستحل لها ، فان مثل هذا قلما يسلم من التدرج منها إلى الكبائر . ولكن المراد به اللمم وهو ما يلم به المرء إذا ما عرض له ولا يتعمق فيه ولا يصر عليه ، بل يلوم نفسه عليه ويتوب منه ، ( وقد بينت هذا المعنى في الكلام على التوبة من تفسير سورة النساء - ج 4 ) فإذا تاب تنتقل نفسه به من دركة ( النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) إلى درجة ( النفس اللوامة ) ولا يزال يجاهدها في مثله إلى أن يرتقي إلى درجة ( النفس المطمئنة ) فإذا هو أطاع النفس الأمارة بالسوء فإنها تهبط به إلى دركة الفحش والفجور ، وربما تهوي به إلى استحلال المعاصي وهو من الكفر ، كمن يد من النظر بشهوة إلى بعض الحسان فينتقل من النظر إلى المغازلة ، ومن المغازلة إلى المهازلة ، ومن المهازلة إلى الملاعبة والمباعلة ، ومنها إلى المفاعلة . قال الشاعر العربي فلما رأتني رأرأت ثم أقبلت * تهازلني والهزل داعية العهر وقال شاعر مصر في التنقل من كل حالة إلى ما بعدها نظرة فابتسامة فسلام * فكلام فموعد فلقاء